محمد بن جرير الطبري
290
تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )
فوثبوا وبقي خاقان وحسين على رأسه ، فنظر إليهما الرجل ، فقال الرشيد : تنحيا عنى ، ففعلا ، ثم اقبل على الرجل ، فقال : هات ما عندك ، فقال : على أن تؤمننى ! قال : على أن أؤمنك وأحسن إليك قال : كنت بحلوان في خان من خاناتها ، فإذا انا بيحيى بن عبد الله في دراعه صوف غليظه وكساء صوف اخضر غليظ ، وإذا معه جماعه ينزلون إذا نزل ، ويرحلون إذا رحل ، ويكونون منه بصدد يوهمون من رآهم انهم لا يعرفونه وهم من أعوانه ، ومع كل واحد منهم منشور يامن به ان عرض له قال : أو تعرف يحيى ابن عبد الله ؟ قال : اعرفه قديما ، وذلك الذي حقق معرفتي به بالأمس ، قال : فصفه لي ، قال : مربوع أسمر رقيق السمره ، اجلح ، حسن العينين ، عظيم البطن قال : صدقت ، هو ذاك قال : فما سمعته يقول ؟ قال : ما سمعته يقول شيئا ، غير انى رايته يصلى ، ورايت غلاما من غلمانه اعرفه قديما جالسا على باب الخان ، فلما فرغ من صلاته أتاه بثوب غسيل ، فالقاه في عنقه ونزع جبه الصوف ، فلما كان بعد الزوال صلى صلاه ظننتها العصر ، وانا ارمقه ، أطال في الأوليين ، وخفف في الأخريين ، فقال : لله أبوك ! لجاد ما حفظت عليه ، نعم تلك صلاه العصر ، وذاك وقتها عند القوم ، أحسن الله جزاءك ، وشكر سعيك ! فمن أنت ؟ قال : انا رجل من أعقاب أبناء هذه الدولة ، واصلى من مرو ، ومولدي مدينه السلام ، قال : فمنزلك بها ؟ قال : نعم ، فاطرق مليا ، ثم قال : كيف احتمالك لمكروه تمتحن به في طاعتي ! قال : أبلغ من ذلك حيث أحب أمير المؤمنين ، قال : كن بمكانك حتى ارجع فطفر في حجره كانت خلف ظهره ، فأخرج كيسا فيه ألفا دينار ، فقال : خذ هذه ، ودعني وما ادبر فيك ، فأخذها ، وضم عليها ثيابه ، ثم قال : يا غلام ، فأجابه خاقان وحسين ، فقال : اصفعا ابن اللخناء ، فصفعاه نحوا من مائه صفعه ، ثم قال : أخرجاه إلى من بقي في الدار ، وعمامته في عنقه ، وقولا : هذا جزاء من يسعى بباطنه أمير المؤمنين وأوليائه ! ففعلا ذلك ، وتحدثوا بخبره ، ولم يعلم بحال الرجل أحد ، ولا بما